قصة كتاب.. فتح الحق للعالم محمذن فال ولد متالي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم

قصة كتاب : فتح الحق للعالم الرباني/ محمذن فال بن متالي التندغي

هذا الكتاب هو في الحقيقة اختصار لكتاب : قرة العين وإزالة الشك والرين للعلامة الحاجي/ السالك بن لمام الوداني المتوفى سنة 1245 هـ الموافق1829 م، له عدة مؤلفات منها:
– استدراكات على (عروس الأفراح في البيان) للعلامة العلوي/ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم 300 مسألة ؛
– الأسئلة والأجوبة ؛
– منظومة في محرمات الجوارح ؛
– السعي المشكور للذنب المغفور: نظمه الأديب والفقيه الإداري محمدن بن سيدي الملقب (بدنه)، قال في المقدمة:
الحمد لله على ذا السعي * أسعاه في يقظتي ووعيي
والسعي مشكور له مسالك * سلكها نجل الإمام السالك
من ينتمى للحسن الوداني * ليس له في القطر من مدان
الحاجي ذو السعي لنا المشكور * لمحو ذنبنا لنا المغفور
– قرة العين وإزالة الشك والرين ؛
وهذا الأخير سفر ضخم جمع فيه بين الحقيقة والشريعة: أوله توحيد ووسطه فقه وآخره تصوف، لاقى انتشارا واسعا في القرن الثالث عشر الهجري، شرحه تلميذه وابن أخته العالم المتبحر/ محمد بن حم ختار الحاجي بشرح سماه : قلائد اللجين على نحور ألفاظ قرة العين.
والسالك هذا أحد أعيان علماء وادان والقطر بصفة عامة، أخذ عن والده وعن علماء وادان ثم ارتحل مع أخيه العالم اللغوي و الشاعر الفارس/ أحمد سالم إلى الحج فسمعا من علماء الحجاز وجالساهم، وفى طريق العودة مرا بالجامع الأزهر وناظرا علماءه وبالأخص الشيخ الأمير – شيخ المالكية بالديار المصرية يومها – الذى أعجبا به وبعلمه إعجابا شديدا واستدركا عليه مسائل في حاشيته على عبد الباقي شارح المختصر وفى شرحه للمختصر المعروف بالإكليل وسلمها لهما، وقد أجازهما إجازة عامة مطلقة قال فيها : “أجزت الفاضل المذكور أحمد سالم وأخاه السالك بكل ما صح لي وعني إجازة مطلقة عامة بشروطها المعتبرة عند أهل هذا الفن، وأجزتهما أن يجيزا من طلب منهما ذلك”.
أثنى عليه وعلى علمه الكثير من أعيان العلماء، نكتفي منه بما قال العلامة/ التجاني بن باب ففيه تلخيص لذلك:
وكم إمام عالم علامه * نقادة دراكة فهامه
كترجمان العلم والقرآن * السالك العلامة الوداني
امتد صيته العلمي والروحي من وادان حيث إقامته إلى أزواد (تبين ذلك وثيقة نشرها الباحث المدقق والأديب الدكتور سيد أحمد ولد الأمير في إحدى تدويناته)، إلى تيرس حيث زاره العلامة الشيخ محمد المامي الشمشوي وقال فيه وفي أخيه أحمد سالم في نونيته الشهيرة:
وآل الحاج أنصار كرام * إلى أبناء جفنة ينسبونا
وأحمد سالم منهم ومنهم * أخوه سالك في السالكينا
إلى منطقة النهر خصوصا كيهيدي حيث زوايا تلامذته لحد الآن: زاوية الشريف أحمد مختار خاي وزاوية اتييرنو بوكار كان وما تفرع عنهما من زوايا، انظر د/ يحيى البراء المجموعة الكبرى الشاملة جزء 2 صفحة 93 الترجمة 236، إلى منطقة الكبلة التي زارها سنة 1240 هـ والتقى علماءها وصلحاءها، وكان ذلك أيام الشمس المختار بن الشمس محمذن أغربظ، الذي سمى عليه حفيده السالك بن عبد الله بن المختار، وحصلت بينه ألفة مع العلامة/ الشيخ أحمد بن محمد الحاجي المتوفى سنة 1251 هـ رغم صغر سنه آنذاك (23 سنة)، يقول أحمد هذا راثيا العلامة السالك :
ألا إن داء الموت لا بد طارق * وكل امرئ ما عاش يوما مفارق
في هذه الزيارة حمل معه نسخة من كتابه: “قرة العين وإزالة الشك والرين” أهداها للشمس المذكور، انتشر ذكرها وتلقاها الناس بالقبول والنسخ خصوصا العلامة الرباني ذو الفيوض/ لمرابط محمذن فال بن متالي الذى تعرضت نسخته منها لتلف شديد حتى غابت حقيقة أكثرها فنظر فيها وفتح الله عليه بتجميع بعضها وإضافته للبعض وسماه “فتح الحق” وأحيانا “فقه النفس”، لكن الذى درج عليه التلامذة هو فتح الحق. تلقف التلامذة والأعيان نسخة لمرابط محمذن فال المختصرة بقبول فائق ولازمتها بركته فانتشرت في المحاظر حتى لم يخل منها بيت، ونسي الناس خصوصا في منطقة الكبلة وتيرس الكتاب الأصلي، وهذا يذكر بقضية المدونة المعروفة بالأسدية نسبة إلى جامعها أسد بن الفرات : يقول العلامة التاشدبيتي/ محمد مختار بن محنض “أمحند علما”:
أصل المدونة فيما قيدوا * أسئلة سأل عنها أسد
فبعد انتشارها الواسع في القيروان وإفريقية واعتماد الطلبة في الدرس عليها عزفوا عنها وطرحوها لما قدم سحنون بنسختها المختصرة والمصححة على ابن القاسم. ونفس الشيء وقع لمدونة سحنون، ذلك أن الطلبة طلبوا من ابن أبى زيد اختصارها للدرس، فاختصرها وزاد في مختصره زيادات من العتبية والموازية والواضحة فامتنع الناس من درسه، فبلغ ذلك بلديه ومعاصره: أبا سعيد خلف البراذعي فاختصرها، وطالعها ابن أبي زيد فقال هذا الذي يوافق الطلبة، وانصرف الناس إلى اختصار البراذعي حتى صار يعرف بالمدونة.
البرادعي هذا اختلفوا في ضبطه بعضهم يراه بالذال وبعضهم بالدال وعلى القول الأخير اعتمد العلامة النابغة الغلاوي قال:
واعتمدوا التهذيب للبرادعي * وبالمدونة في البرا دُعي
وإنما سميت بالتهذيب لقوله في المقدمة : “هذا كتاب قصدت فيه إلى تهذيب مسائل المدونة والمختلطة خاصة دون غيرها”. وفى اعتماد الناس على تهذيب البرادعي وإطلاق اسم المدونة عليه يقول ابن فرحون في الديباج : إن المناظرة في جميع حلق بلدانها – يعنى صقلية – إنما كانت بكتاب البرادعي : التهذيب شهرة، فشهرة التهذيب حالت بين الناس وبين جميع مختصراتها حتى حالت دون المدونة نفسها. ويقول الحطاب : ويسمى اختصار البرادعي بالتهذيب واشتغل الناس به حتى صار كثير منهم يطلقون المدونة عليه. ويقول صاحب المعيار : إن أهل المذهب هجروا كتب البرادعي على نبلها ولم يستعملوا منها – على كره منهم – غير التهذيب الذى هو المدونة اليوم . ونفس الشيء وقع للتهذيب ومختصراته، فما إن اختصرها العلامة خليل ابن إسحاق في مصنفه المعنون بالمختصر حتى ذهبت أدراج الرياح ولفها النسيان . يقول العلامة أحمد باب التنبكتي في نيل الابتهاج : عكف الناس على مختصره وتوضيحه شرقا وغربا حتى اقتصر الناس في بلاد المغرب وفاس ومراكش في هذا الوقت – يقصد سنة 1013 للهجرة – على المختصر فقط، فصار قصاراهم الرسالة وخليل، فقل أن تجد أحدا يعتنى بابن الحاجب فضلا عن المدونة وذلك علامة دروس الفقه وذهابه . يقول العلامة الحاجي/ المختار بن باب بن حمدي المتوفى سنة 1407 هـ ناظما الكتب التي اختصر منها خليل مصنفه ناقلا عن فتاوي العلامة المتبحر/ القاضي محمد بن أمينو بن الفراء التندغي:
وفي فتاوى العالم المجتهد * ابن أمينُ التندغي محمد
أن لا يجوز اليوم أن يعدل عن * نص خليل الذى لخص من
كل اختصار لاختصار لاختصار * من المدونة ذاك الاختصار
فاختصر الشيخ خليل الأبي * من ابن حاجب ونجل حاجب
كان من ابنم بشير مختصر * وابن بشير الحبر أيضا اختصر
من المقدمات لابن رشد * ونجل رشد الإمام المهدي
اختصر التهذيب للبرادعي * واختصر البرادعي التهذيب ع
من المدونة تي للعالم * سحنون نقلا عن سليل القاسم
عن مالك إمام دار الهجرة * ومنبع الإسلام والبشارة
ووقع نفس الشيء لنظم العلامة الجزائري/ أحمد بن إسحاق البوني للشيخ خليل المسمى: الخراج، فقد نسيه الناس لما نظم الشيخ محمد المامي المختصر وسماه : الخراج الثاني، حتى أن الناس يحتفظون بالعدد عشرة آلاف الذي هو عدد أبيات نظم الجزائري ويطلقونها على عدد أبيات نظم الشيخ محمد المامي الذي يقل عن العشرة آلاف بكثير.
وكذلك كتاب السير والمغازي لمحمد بن إسحاق المطلبي ما إن اختصره ابن هشام محمد بن عبد الملك الحميري البصري حتى غاب عن الأذهان، ولولا قول ابن هشام المتكرر في كتابه: قال ابن إسحاق لغاب ذكر ابن إسحاق نفسه، ونفس الشيء حصل لمنظومة ابن مالك : الكافية الشافية في النحو والصرف، فقد انصرف الناس عنها وطرحوها لما لخصها في منظومته المسماة بالخلاصة والمعروفة عند الناس اليوم بالألفية :
أحصى من الكافية الخلاصه * كما اقتضى غنى بلا خصاصه
كما غطت الخلاصة أيضا على ألفية ابن الحسين علي ابن معطي التي سماها الدرة الألفية:
تحويه أشعارهم المرويه * هذا تمام الدرة الألفيه
فقد نقل ابن مالك طلبة العلم من بحري السريع والرجز الذين اعتمد ابن معطي في ألفيته إلى بحر واحد هو: الرجز.
والخلاصة أن الناس أو على الأقل في محيط ولايات اترارزه وإينشيري وداخلت انواذيبو- بالتسميات الحديثة – انصرفوا عن كتاب قرة العين للوداني إلى اختصاره المعروف اليوم بفتح الحق للعالم الرباني/ الولي الصالح محمذن فال بن متالي.

محمد بن محمذن فال * باحث مهتم بالتراث

التعاليق

التعاليق

تيليغرام

مقالات ذات صله