رحم الله رئيسنا محمد كابر هاشم/ دمب ولد الميداح

عرفت المرحوم محمد كابر هاشم أولا من خلال البرامج التي يقدمها في الإذاعة الوطنية و كان أول لقاء حقيقي و مباشر بيننا في أواخر سنة 1989 في مكتبه برابطة الكتاب و الأدباء الموريتانيين التى ستتحول في ما بعد إلى اتحاد.

كان مكتبا متواضعا في حي “مدينَ G” ذي الكثافة المدرسية و الضوضاء المستمرة طيلة أوقات الدوام الرسمي.

تحدثنا خلال ذلك اللقاء عن أشياء كثيرة تهم الساحة الأدبية الوطنية و العربية ثم سألته معاتبا عن سبب اقصائهم للشعراء المتحدثين باللهجة الحسانية من الرابطة.

و قبل أن يرد على سؤالي، انبرى أحد جلسائنا (و قد أصبح في ما بعد صديقا مخلصا) و قال إن ما نسميه “لغن” ليس شعرا و لا يرقى إلى مستوى يخول لمتداوليه أهلية الانضمام إلى الجمعيات الثقافية التى تحترم نفسها…

لم أرد على هذا الحكم الذي أصدره جليسنا بصوت جهوري و ثقة في النفس، خشية أن لا يكون جوابي أديبا و أنا في دائرة الأدب و بحضرة كبير القوم.

و ما إن خرج “أديبنا” هذا حتى قال لي الأستاذ كابرْ، بصوته الهادئ الذي ذكرني ببرنامج “ضيف الأسبوع” و بليالي حلوة في موريتانيا الاعماق : “أشكرك على عدم جوابك لما قاله صاحبنا هذا… فلو كان يستحق الجواب لما ترددت في تفنيده… إن بعض إخواننا لا يفهمون أن الأدب لا لغة له و أننا مهما تشبثنا بعروبتنا فعلينا أن لا ننسى أن لنا خصوصيات ثقافية يستحيل إبرازها إلا باللهجة الحسانية و بشعرها و آدابها”…
ثم أسمعني روائع من أمهات لبتيت ما كنت أظن أنه يحغظها و حكى علي نماذج من شعره الحساني الراقي…

و قبل أن أغادره، طلب مني صورا شمسية – شاء القدر أنها كانت في محفظتي – فسلمني بطاقة انتساب للجمعية و وعدني بالالتحاق بمكتبها التنفيذي عند أول مؤتمر لتجديد هيئاتها… و حصل ذلك بعد قليل.

و منذ ذلك التاريخ، أصبحت اكتشف فيه خلال كل لقاء بيننا خصلة من خصال الكبار النادرة : الوفاء و الصدق و السكينة و التواضع و الكبرياء.

عرفته في الأسفار داخل البلاد و خارجها و في اللجان الفنية و الأدبية و في المنزل و في المكتب و في شتى أنواع التظاهرات الثقافية.

لم يقبل طيلة ترأسه لاتحاد الأدباء أن تتخندق هيئته في التجاذبات السياسية و لم يعتب باب مسؤول أو رجل أعمال لتسوية مشكلة من مشاكلها اليومية التى تتنوع تنوع حساسيات الشعراء من مختلف الأعمار و الأجناس و الطبائع…
و لم يطلب طيلة مأمورياته عونا من الدولة و لا من السفارات بل ترك الإتحاد “يستف ترب الأرض كي لا يرى له عليه من الطول امرؤ متطول”.

لم يهتم بالمناصب و لا بالأضواء و لم يقبل الألقاب الرنانة… فلم يكن أستاذا و لا عملاقا و لا أديبا كبيرا و لا “ربا خرافيا و لا بطلا”.
كان محمد كابر هاشم فقط و رضي به الموريتانيون هكذا، فأحرز بنزع الألقاب من القبول و الشهرة و الثقة ما عجز عنه المترشحون لها و أدعياؤها الكثر.

رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته و “أنا لله و إنا إليه راجعون”.

التعاليق

التعاليق

تيليغرام

مقالات ذات صله