#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الثانية

#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الثانية

heder

وعلى بعد ثلاث كلم فقط من قرية الساكنة، أشعرنا الرفقاء الستة بضرورة إنزالهم في أول منخفض نمر عليه..

كانت الأرض مغطاة بالحفر والخيم والمنقبين.. كان حديث قائد الستة من دواعي الضحك، خاصة وأنه يطلب النزول في أول منخفض أرضي من أجل أخذ حصته من الذهب، والعودة إلى نواكشوط في غضون ٢٤ ساعة أو ٤٨ في أسوء الحالات، وكأن الذهب ينتظر وصوله هو ..!
كانت الساعة تشير إلى حدود الـ٢٢:٠٠ وكان القمر يتوسط كبد السماء، وسط هبوب رياح تقارب سرعتها ١٣ كلم في الساعة ..
ودعنا المجموعة التي لم يكن بحوزتها سوى معدات الحفر اليدوي و١٢٠ لترا من الماء وقليل فحم وأرز وعدس وأشياء خفيفة أخرى ..

ونحن في الطريق إلى الدواس الذي يفصلنا عنه ١٨ كلم، كانت معالم الطريق قد تغيرت تماما خلال اليومين الذين قضاهما رفيقي في نواكشوط..

كنت ألاحظ أن أغلب الخيم التي نمر بها لا يوجد بداخل الواحدة منها غالبا، إلا شخص واحد في أحسن الحالات.. هناك استفهمت من رفيقي؛ فأخبرني أن أفضل توقيت للتنقيب السطحي يكون أثناء انخفاض درجات الحرارة، ولذلك يغتنم المنقبون فرصة ساعات المساء وفترة الليل وساعات الصباح الأخيرة، حيث يطغى التشويش على أجهزة الكشف المعدني عند ارتفاع درجات الحرارة، فيستغل البعض تلك الساعات للحفر اليدوي، حيث لا مكان . للفضول في هذا الحيز، ولا متسع للفراغ بين هؤلاء 

كلما اقتربنا من الدواس صعب إيجاد مسلك يمكن للسيارة المرور منه، فالحفر – بكل الأحجام – تملأ المكان، وأفضل الطرق يتوسطه “أذراع” حيث الرمال والعشب والحفر أيضا ..
كلما اقتربنا من الدواس تبدأ معركة أخرى أكثرُها روتينا ابتلاع الرمال لعجلات السيارة، حتى ترتفع حرارة المحرك..
كانت المسافة بيننا وبين خيمة زملائنا الشباب ٤ كلم.. كنت أكتشف رغم العتمة كم هو كبير “مخيم الدواس”، وكم توافد من شخص لهذه الرقعة الصغيرة في غضون أسبوع واحد.. كنت ألاحظ أن أغلب الخيم رفعت علامة مضيئة تميزها عن آلاف نظيراتها، حتى لا يضلها أصحابها عند خروج أحدهم..
وميض أخضر آخر أحمر وأبيض؛ وميضان؛ وميض متلاش؛ وميض متحرك دائريا؛ وميض ثابت… وكلما نزلت من السيارة لدفعها من الرمال التي تبتلع عجلاتها، سمعت: يعبد الفتاح؛ ينج؛ يالمختار … أسماء ضلت خيمها ولم يكن بحوزتها سيد المنقبين GPS، فأصبحت مناداتها أنجع سبيل للعثور عليها قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .
ببطء شديد كنا نقترب من الخيمة.. أحيانا يأخذنا منعرج طويل بفعل الحفر، وأحيانا أخرى نبتعد ثم نعيد الكرة من جهة أخرى، حتى فكرنا في المبيت داخل السيارة، وقد أخذ النعاس والتعب منا نصيبا وافرا..
كان عدد من الأشخاص نمر عليهم وقد افترشوا الأرض وناموا عليها، ومنهم من استعان بالعشب ولثامه ليجعله مخدة، وكان يومها قد وصل الآلاف إلى الدواس، أغلبهم بمفرده متوكلا في سبيل رزقه على ربه، يلتحف السماء ويفترش أرض الدواس الذهبية السوداء القاتمة .
حدود الساعة ١:٣٠ من صباح الاثنين وصلنا إلى خيمة زملائنا الواقعة في أقصى نقطة من المخيم الغربي لقلب الدواس..
خلدنا للنوم مباشرة، لتبدأ حكاية الدواس التي سترويها يومياته الموالية … حكاية الدواس حاضنة الأحلام وصانع الرجال وقصة الحفر… حكاية الدواس الذي لا يميز إلا الصابرين المتوكلين الصامدين عن غيرهم.. حكاية الدواس القاعدة والمنطلق والحكاية ..!

***

استيقظت حدود الساعة ٧:٠٠، وقد أعد الشباب الشاي إلى جانب وجبة الإفطار الصباحية، والمكونة من أربعة أطباق، تختار أنت بين واحدة منها:
١- “امبكوش” ومكونات هذه الوجبة أساسا: دقيق الخبز والحليب المجفف والماء الساخن والسكر .
٢- “بلغمان” وتتشكل الوجبة من: دقيق مغلي الشعير والزيت والماء الساخن والسكر .
٣- البسكويت والفستق أو الفول السوداني .
٤- البسكويت أو دقيق الخبز والسردين .

خرجت من الخيمة لأكتشف حجم المخيم، وقبل الخروج حاولت رصد علامات تميز خيمتنا عند العودة إليها.. مباشرة اتجهت نحو الجبل الغربي، الذي لا يبعد سوى ١ كلم فقط، وقد قضيت قبل الوصول له حوالي الساعة، بفعل الحفر العميقة والمتقاربة التي تكتسح المكان ..
تسلقت الدواس لتتراءى لي الصورة الكاملة لجزء يسير من طبيعة الزمان والمكان والقضية والإنسان.. الآلاف بيضا وسودا شبابا وشيوخا، يجمعهم هدف واحد ويتشاطرون الحلم ذاته.. تجمعهم المجرفة والحفر والأمل بالمزيد من الذهب.. التفت جنوبا حيث قوة الضغط، حيث صهاريج المياه وعشرات الشاحنات والباصات والسيارات المحملة بالمواد الغذائية والوقود.. حيث الصخب والحركة المتواصلة.. حيث المزيد من الوافدين على مدار الساعة..

هناك.. هناك تساءل كيف تأخرت عن القدوم حتى اليوم ؟ ولماذا أتيت ؟ هل كتب لكل الموريتانيين بمختلف مشاربهم ومنابعهم الثقافية والاجتماعية والجغرافية.. على تباين اهتماماتهم ودخلهم اليومي، أن يجتمعوا من كل حدب وصوب في صعيد واحد، ليشهدوا على ما لم تتضح ملامحه بعد ؟!
هل هي بداية خير على مجتمع ضعيف البنية سلفا ؟ هل بإمكان السلطات أن تواجه هذا الهدير في حالة كانت حقيقة وجود الذهب زيفا ؟ كيف يمكن للحكومة الموريتانية أن تؤمن هذه المخيمات وتسهل حركة عشرات الآلاف الذين يمرون يوميا من هنا ؟ لماذا لم أشاهد حتى الساعة أي تواجد أمني يذكر ؟ لماذا تغيب ركب وزارة الصحة ؟ ولماذا لم يستغل النظام الفرصة سياسيا ويوفر – على الأقل – صهاريج المياه للمنقبين بأسعار مناسبة في بعض النقاط الحيوية ؟
كانت قدرة الله بادية في خلقه.. كيف تحولت هذه المنطقة الجرداء اليباب في غضون شهر واحد إلى قبلة للجميع ؟! كيف جمع الله أحلام وجهود كثيرا من الأسماء في سبيل غاية واحدة ؟. تلك قدرة قادر

نزلت بعد أن التقط مجموعة صور لصالح موقع تكنت.. توجهت إلى منطقة الحفر من أجل إجراء مقابلات صحفية هناك..
وهناك التقيت عددا من الأسماء التي أعرفها.. بين أستاذ وطالب جامعي تفصله أيام قليلة عن حفل تخرجه.. بين عمدة ومستشار بلدي وإطار سياسي أو وجيه اجتماعي.. التقيت أصدقاء وأبناء برلمانيين وقادة في الجيش وشخصيات سامية وأبناء أسماء علمية وقامات صوفية وحفيد أحد الرؤساء السابقين.. هذا إلى جانب رجال الأعمال وأبنائهم وأبناء الطبقة الهشة.. واليد العاملة في البلد.. الكل قدم من أجل الذهب، منهم من جاء بمفرده ومجرفته، وآخر بعدته وأجهزته، وثالث بتجارته وحرفته.. وحظ الثلاثة من الذهب متباين تماما .

كنت أجد صاحب المجرفة أكثر حظا من صاحب جهاز الكشف.. كنت أجد من تجاوز ٥٠ جراما من الذهب في يومين، وآخر لم يعثر على شيء منذ أسبوع ..
بدأت أكلم المنقبين وأكتشف أن المعادلة مختلفة تماما عن ما يتصوره البعض وينفق على أساسه.. بدأت أفهم أن الجشع والسرعة وقوة العدة وقطع عشرات الكيلومترات يوميا، ليس سبيلا مضمونا للحصول على الذهب، وأن الانتظار والجلوس – في المقابل – ليسا طريقا ناجعا.. على المرء أن يسعى ويلتحق بركب الرجال .
كنت أكلم امبارك – أحد سكان مقطع لحجار، بائع خضار في نواكشوط سابقا -، قال إنه وصل رفقة أخيه قبل ٥ أيام، وقاما بالحفر وحصلا على قرابة ٨٣ جراما، فإن كنت أملك جهاز كشف ومستعد للجلوس بجانبهما خلال ساعات الحفر، مقابل تقاسم المتحصل عليه من الذهب، فهما بحاجة لي، وبجوارهما عدد من زملائهم بحاجة لصاحب جهاز كشف، صبور على التنقيب وتحمل حرارة الشمس وبرد الليل، وشرب الماء والشاي فقط، وأكل البسكويت والفستق خلال ساعات المرابطة .
من شخص لآخر كانت تتجلى لي حقائق ومعطيات جديدة.. أصبح يراودني تفكير آخر وتوجهت مباشرة إلى زملائي في الخيمة …

يتواصل بحول الله

عبد الله الخليل

Comments

comments

heder

مقالات ذات صله