#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الأولى

#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الأولى

heder

غادرنا نواكشوط حدود الساعة ١٥:٠٠ من ظهيرة الخامس عشر مايو الماضي، كنا ثلاثة أفراد فقط، وكان همنا إيصال بعض المستلزمات لأصدقائنا المنقبين عن الذهب في الدواس ..
غادرنا نواكشوط على نية العودة بعد ثلاثة أيام.. حيث فضل الرفيقان Sidi وJewad أن أصاحبهما خلال هذه الرحلة، وهما العائدان توا بكثير قصص وحكايات مشوقة ..
رحلة قصيرة لكنها فرصة ثمينة بالنسبة لي، من أجل إنتاج مادة إعلامية لصالح موقع تكنت، الذي كان يومها شبه النافذة الصحفية الوحيدة على يوميات المنقبين وتحركاتهم ..
ونحن نودع أجواء نواكشوط، كنت ألاحظ أن أغلب السيارات على الطريق تابعة للمنقبين، وأن المغادرين العاصمة أضعاف أضعاف العائدين لها.. كانت وحدات الدرك المتنقل قليلة، وجميع النقاط تردد سؤالا واحدا، حول إن كانت وجهتنا هي التنقيب..

لم يكن هنالك أي تفتيش ولا سؤال عن الرخص أو جمركة أجهزة التنقيب أو حتى بطاقات التعريف، كانت الابتسامة عريضة والعبارة الأخيرة: “الله إعاون”، وكانت تلك محطة تبعث كثير استفهامات بالنسبة لي .

***

بدت الشامي – المدينة الساحلية الهادئة الخجولة بالأمس – مدينة تعجل بالحركة والحيوية والنشاط، وفود تغادر نحو تازيازت والدواس وتجريت، وأخرى قادمة من أخنيفسات واكويرتز ونقطة ساخنة، في سبيل طلب الماء أو شراء بعض المواد الغذائية، وثالثة تتزود بالوقود في طريقها إلى أحديب أغيان وفصك والنيش بوخزامه والطارف واصطل أوكمان .
بدت الشامي نقطة تجارية في طريقها للنمو السريع.. المئات في طوابير من أجل الحصول على الماء، العشرات يتزاحمن على المحلات والمجمعات التجارية على قلتها..

بدأت أفكر بلغة الأرقام وأنظر إلى المآرب الاقتصادية التي قد تحملها الرحلة، غير الذهب الذي كثر حوله القيل والقال..
هي دقائق قليلة صادف أحد رفقائي صديقا له، حدثه خلال ١٥ دقيقة عن الفرص التجارية الكبيرة التي أتاحتها ثورة التنقيب، نصحه ببيع الوقود أو السجائر والتبغ وحمل المواد الغذائية نحو النقاط المكتشفة حديثا، أو امتهان فرصة النقل من وإلى الشامي، قبل أن يخلص إلى القول إنه انتهى من التنقيب واستثمر مليونا و٥٠٠ ألف أوقية في مجال بيع الوقود، إذ تكلفه قنينة ٢٠ لترا حوالي ٨٠٠٠ آلاف أوقية، مع حملها من نواكشوط، حيث يبيعها في أسوء الحالات بـ١٣ ألف أوقية في النقاط القريبة من الشامي، وفي الشامي إن نفد الوقود للمحطة الموجودة وسط المدينة، أو محطة بوعماتو جنوب البلدية .

وقبل أن يرخي الليل سدوله أخذنا إحداثيات النقطة الجديدة المكتشفة قرب أحديب أغيان، وكان حديث المنقبين يدور حول اتساع رقعة مظان الذهب، وتمددها نحو مدينة نواذيبو الساحلية .

***

حدود الساعة ١٩:٢٠ غادرنا مدينة الشامي باتجاه منعرج تازيازت.. كنت أرصد ونحن في الطريق إليه، التواجد المتزايد لنقاط بيع لبن الإبل الذي وصل سعره ٦٠٠ أوقية ..

عند منعرج تازيازت وعلى بعد ٤٥ كلم من الشركة المنجمية، كانت تتشكل معالم قرية جديدة تعج بالحركة والحياة.. كانت سيارات الأجرة قليلة يومها، حالها حال المحلات التجارية المتنقلة ..

العشرات يرابطون عند المنعرج في انتظار من يوصلهم إلى الدواس أو على الأقل قرية “الساكنة”، وهم مستعدون في سبيل ذلك إلى دفع الفرد منهم مبلغ ٣٠ ألف أوقية، وأغلب هؤلاء لا يحمل سوى مجرفة وخنشة أغذية صغيرة وقنينة ماء بحجم ٥ لترات وحلم كبير بالثراء السريع من عسجد وطنه المقبل عليه .

على بعد ٣٠ كلم من منشآت تازيازت استوقفتنا سيارة “مرسدس ١٩٠”، متعطلة العجلات، تضم ٦ أفراد في طريقهم إلى نقطة السياج.. اصطحبناهم معنا، وأثناء أطراف الحديث تبين أن قائد الرحلة سبق وأن حصل على ما قال إنه ١٢٣ جراما من الذهب، من خلال الحفر قرب سياج الشركة في أول يوم له في التنقيب، ما دفعه مباشرة إلى العودة إلى نواكشوط واستدعاء إخوته وأبناء أخواته الذين كان يعمل أغلبهم بين عربات الماء وغسيل الثياب وورشات اللبن .

ونحن على طريق تازيازت كانت مئات سيارات المنقبين تسير بسرعة فائقة في الاتجاهين، رغم كميات الغبار الكبيرة التي تحجب رؤية السائق..
كانت المنطقة تزداد إضاءة كلما اقتربنا، بفعل انتشار آلاف السيارات في مختلف اتجاهات الجغرافية الواسعة..

***

رويدا رويدا كانت تتراءى ملامح مدن في طريقها للظهور بعمق الصحراء الجرداء.. كان يخيل لك أن الكل وصل إلى هناك، ومعه وصلت أسواق وشعب جديد وحياة بلاد ملثمين، سمعت عنهم في الروايات التاريخية لمجتمع البيظان الأصيل ..

لم يعد يفصلنا سوى ١٠ كلم فقط عن منشأة تازيازت، أصبح علينا تشغيل سيد الرحلة GPS.. وكلما اقتربت من تازيازت تكتشف حجم الشركة المنجمية التي هي دولة أخرى في جمهورية مغلوبة على حالها.. تتجلى لك مدينة كبيرة بمنشآتها ومطارها وطرقها وحرسها وعدتها وعتادها وما خفي كان أعظم . يقول قائل
٢١ كلم تفصلنا عن قرية الساكنة حيث المنطقة الشاهدة على شرارة أهم يوميات التنقيب قرب السياج.. حيث الصخب والحركة المتواصلة على مدار الساعة.. حيث باكورة التنافس التجاري ونقطة الانطلاقة الرئيسية.. حيث التنقيب والمخيمات والحفريات وتغطية الاتصال وصهاريج المياه وبراميل الوقود ونقاط البيع المتنقلة.. حيث لافتات التحذير من سموم التنقيب وحيث منتصف الطريق إلى الدواس .

يتواصل بحول الله

عبد الله الخليل

Comments

comments

heder

مقالات ذات صله