#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الأخيرة

#الطريق_إلى_الدواس.. الحلقة الأخيرة

heder

وجدت أفراد المجموعة بين من خرج للتنقيب وآخر يستعد لجلب الماء.. كان علي إعداد وجبة الغداء التي لا يتطلب تحضيرها أكثر من ٣٥ دقيقة على فرن الفحم اللجنيتي .
وجبة الغداء الشائعة تتكون من الأرز واللوبياء واللحم المقدد وطبعا الزيت والملح.. ومرحلة التنقيب أفضل فرصة لتعلم الرجل الطبخ الذي وجد جيل الشباب صعوبة معه في البداية .
حدود الساعة ١٥:٠٠ التحقت بنا مجموعة أصدقاء قادمة من منطقة تجريت، في طريقها إلى احديب أغيان.. حدثتنا عن دخول التنقيب مرحلة الحفر بدل التنقيب السطحي في عدة نقاط من أبرزها أحميم وتجريت ونقطة ساخنة على غرار الدواس، الذي حدثناهم نحن عن فرصه الجديدة..
قررنا أن تنطلق عصرا مجموعة منقبين باتجاه أحديب أغيان، وترابط أخرى في منطقة الحفر بالدواس.. كان البعض يعتقد أنه ليس من الحكمة ولا من السياسة الاقتصادية أن ننصاع وراء كل شائعة، فنستهلك من الوقود والجهد ما لا يعوضه حصاد الرحلة، فيما يرى الطرف الثاني أن الذهب حظ، وهناك مناطق خصبة، وأول الوفدين أكثر حظا من غيره.. أما الرأي الثالث فكان بمنظور اقتصادي يعتقد أنه يجب تكتل خمس مجموعات، ورسم سياسة توفر عليهم جهودهم المستنزفة في سبيل غاية مجهولة.. كان ينصح بأن تتولى سيارة كل مجموعة نقل المنقبين أحد الأيام، وبذلك توفر كل مجموعة على نفسها ٤ أيام من الاستهلاك .
أخذنا إحداثيات أحديب أغيان الذي يبعد قرابة الـ٥٠ كلم، وانطلقت رباعية الدفع تمخر عباب “اذراع” المحيط بمنطقة الدواس غربا.. كنا نطارد غروب الشمس على أنغام آسرة سدوم الذهبية.. كان على متن السيارة ثلاثة أجهزة كشف، وثلاثة منقبين اكتسبوا تجربة غنية خلال الشهر الذي مضى لهم في التنقيب.. يحدثني أحدهم فيقول إنهم أصبحوا يميزون التربة والتضاريس التي هي من مظان الذهب، وأنه كلما رن الجهاز على نقطتين لا يفصل بينهما ١٠ أمتار، فهذا يعني أن هناك المزيد في رقعة دائرية بقطر ٥٠ مترا، على ثلاثة خطوط في أغلب الحالات، وأن تربة الذهب تحمل حمرة داكنة وحجارتها الصخرية من الصنف الأبيض والأحمر، وأن الصخور السوداء موطن الحديد، ولذلك تعرف بين المنقبين بحجارة “ماص”، إذ يرن عليها الجهاز فتخدع المنقبين غالبا خلال بداية مشوارهم في المنطقة .

أرخى الليل سدوله في تلك الصحراء الشاسعة التي لا يتراءى لك فيها دليل على حياة حديثة عهد هناك، ومن منطقة لأخرى لا تلمح إلا قطيع إبل توج تلك الطبيعة الغناء الآسرة..
في تلك الجرداء الجميلة لن تشعر بالوحشة أو الغربة.. سيداعبك نسيمها ويمنحك ذلك الهدوء فرصة للتأمل.. ولو أمعنت أكثر وتجردت من ذاتك هنيهة، ستشعر وكأن هذه الأرض التي تزورها لأول مرة، شكلت ذات مرة جزء من طفولتك.. ستسترجع حكايات السلف عن الهامات العلمية التي مرت من هنا؛ وكم من رجل صالح أو سيدة ولية تبتلت هنا.. ستذكر أنهم كانوا يتحدثون عن البيئة الصحية التي يتمتع بها هذا المنكب.. وأن هذه القفار كانت شاهدة على حركة ثقافية ونشاط علمي كبيرين، خاصة إبان عقود القرن الثالث عشر للهجرة النبوية .

بعد أداء صلاة المغرب على بعد ١٤ كلم من منطقة أحديب أغيان، إرتأى بعض الرفقاء أخذ ساعة للتنقيب في تلك البقعة.. نزل الثلاثة بأجهزتهم وأشرف الرابع على صنع الشاي، فيما بقي ثلاثة آخرون ينتظرون مرور ٣٠ دقيقة، لينقبوا بدل أصدقائهم وكنت من بينهم .
بعد انقضاء تلك الساعة كان أحسننا حظا قد عثر على عيار طلق ناري..
الأعيرة النارية توجد بكثافة هناك.. هي وحدها الدليل على وجود حياة قديمة للإنسان في تلك المنطقة.. أو على الأصح الشاهد الأبرز على آخر المعارك التي دارت بين القوة الموريتانية وجبهات النزاع على الجارة الصحراء .

***

توجهنا إلى أحديب أغيان، وكانت المنطقة تتراءى من بُعد عدة كيلومترات بفعل إنارة مصابيح السيارات، التي وصلت ذلك المساء بقوة ..
بدأنا التنقيب على وقع الشائعات حول عثور البعض على كميات معتبرة من الذهب.. كانت تلك المنطقة تعج ليلتها بالحركة المتواصلة، كانت تشهد توافد المزيد على مدار الساعة..
ولأن أجهزة الكشف يؤَثر بعضها على البعض في حالة تقاربها أثناء مرحلة التنقيب، فقد لجأ العديدون إلى حمل التراب والحجارة في سياراتهم والابتعاد بها عن الحشد، من أجل مسحها تنقيبيا وإعادة الكرة من جديد .
سبع ساعات قضيناها تلك الليلة، عثرنا خلالها على قطعة ذهب صغيرة تزن أقل من نصف أجرام.. قطعة لا تعوض تكاليف الرحلة ومتاعبها.. كان علينا العودة إلى زملائنا في الدواس، خاصة وأن أغلب المنقبين في أحديب أغيان حظهم حظنا أو أسوء .

كانت تلك الليلة درساً استفدت منه أن كل منقب يحتاج إلى رسم خطة اقتصادية، يوازن من خلالها بين الدخل والاستهلاك، وأن كل شخص يحتاج إلى تحديد هدفه أولا، ثم الإيمان به في سبيل نيله..
كنت أجد مبرر قناعة لنصيحة القائلين بعدم الانجرار وراء كل شائعة، وكنت أعي مع مرور الوقت أن المنطقة وفق ما انقضى من يوميات التنقيب، هي منطقة غنية بالذهب السطحي، ومسحها “شبر – شبر” بل “ركْ – ركْ” يحتاج ربما عدة سنوات .
عدنا إلى الدواس بعد ليلة شاقة.. وكانت وجبة العشاء تلك الليلة من المكرونة واللحم المقدد
صباحا انطلقت إلى قلب الدواس، وقد اتسعت رقعة الحفر وارتفعت قوة الإقبال.. كنت ألاحظ تواجد سيارة واحدة للدرك الوطني بين كل تلك الحشود، كانت تبحث عن ثلاث سيارات رباعية الدفع لبعض المنقبين الطوارق، قيل إنه تم رصدهم قبل يومين وبحوزتهم أجهزة مسح متطورة..

وأنت تتجول بين الآلاف سيستوقفك من هو قادم توا من إحدى الدول الإفريقية، وآخر دفع بكل ما يملك في سبيل التنقيب، وثالث تخلى عنه رفيقه بعد أن وصلا إلى هناك.. حاله حال محمد سالم الذي قدم من مدينة باسكنو بأقصى الشرق الموريتاني، رفقة ابن عم له طلب منه المغادرة معه نحو مناطق التنقيب ومساعدته في حمل الجهاز والحفر والطبخ، مقابل نيله ٤٠٪ من المتحصل عليه من الذهب ..
وافق محمد سالم وانطلق الاثنان..
يقول: بعد وصولنا بيومين تحصلنا على قرابة ٦٢ جرام من الذهب قرب سياج الشركة.. قدمنا الدواس وقضينا يومين من الحفر، قبل أن يشعرني بالرغبة في تقسيم المتحصل عليه من الذهب، ليفاجأني بالقول إنه اتفق معي على ١٠٪ فقط..
جرى بينا نقاش قصير وتركت له كل الذهب واحتفظت بالمجرفة فقط.. ومضيت إلى سبيلي دون زاد ولا نقود.. توكلت على ربي وبدأت في الحفر، وكلما مر علي مالك جهاز كشف أطلب منه التنقيب لي مقابل نصف المتحصل عليه، وخلال الـ١٤ يوما الماضية، حصلت على ١٣١ جراما من الذهب وأربع ناموسات لم أزنهم بعد ..
في اليوم الأول كنت ضيف بعض المنقبين القادمين من روصو، قبل حصولي على ٤ جرامات بعتهم بـ٣٦ ألف أوقية، واشتريت منهم حاجتي من معدات الحفر والغذاء .

ستلاحظ وأنت تتجول بين الآلاف أن الدواس حاضنة لعدة جنسيات مختلفة، أغلبها من السودان والصحراء ومالي والسنغال وغينيا بيساو.. ولو رصدت أكثر وخالطت المنقبين أكثر، فأمامك العديد من المفارقات والقصص والمحطات المتتالية .

خلال اليوم الثالث في الدواس كان علي أن أحسم القرار.. إما العودة غدا كما كان مقررا سلفا، أو البقاء وفق ما بات يحلو لي منذ الوصول للمنطقة..
كان مساء ذلك اليوم يربطني بالأرض.. يجعلني أكثر تعلقا بالبقاء.. وكأني ألفت الجميع هناك.. كأن هذه الجرداء جزاء من ماضي القريب..
كان مساء ذلك اليوم محطة أخرى لا أنساها.. بعد صلاة العشاء مباشرة وبعد قراري المشاركة في معركة التنقيب حفرا ومسحا، وصل صديقي الحسن ولد محمد ناجي ورفقائه، بعد ٥ أيام لهم بين تجريت وواد الشبكه واصطل أوكمان.. كان يحمل لي معه العديد من القصص عن الجغرافيا والمنقبين ويوميات الرحلة، وهو العارف بشغفي بمثل هكذا حكايات .
صبيحة اليوم الموالي أصبحت منقبا يحاول التجرد من مهنته، والتكيف مع روتين قد لا يكون مغايرا على أمثالي كثيرا ..
وقبل النزول للميدان مازحني صديقي الحسن بالقول إن أحدهم قال إن من يحب أن يجرب حظه فاليدخل مغامرة التنقيب.. وعلي أن أجرب حظي وأترك الفلسفة جانبا ..
فضلت التوجه لمنطقة الحفر، حيث طلب مني امبارك العودة له.. حيث جيرته الثمانية.. حيث محمد سالم وتوكله.. حيث النقطة الرئيسية للمعركة المتواصلة .

عبد الله الخليل

Comments

comments

heder

مقالات ذات صله